سيد محمد طنطاوي

338

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

المحمود من جميع الموجودات ، لأنه هو الخالق لكل شيء ، وهو المنعم عليكم وعلى غيركم بالنعم التي لا تحصى . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم عرف الفقراء ؟ قلت : قصد بذلك أن يريهم أنه لشدة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء ، وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إليه من الناس وغيرهم ، لأن الفقر مما يتبع الضعف ، وكلما كان الفقير أضعف كان أفقر ، وقد شهد اللَّه - سبحانه - على الإنسان بالضعف في قوله : وخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعِيفاً ولو نكر لكان المعنى : أنتم بعض الفقراء » « 1 » . وجمع - سبحانه - في وصف ذاته بين الغنى والحميد ، للإشعار بأنه - تعالى - بجانب غناه عن خلقه ، هو الذي يفيض عليهم من نعمه ، وهو الذي يعطيهم من خيره وفضله ، ما يجعلهم يحمدونه بألسنتهم وقلوبهم . قال الآلوسي : قوله * ( الْحَمِيدُ ) * أي : المنعم على جميع الموجودات ، المستحق بإنعامه للحمد ، وأصله المحمود ، وأريد به ذلك عن طريق الكناية ، ليناسب ذكره بعد فقرهم ، إذ الغنى لا ينفع الفقير إلا إذا كان جوادا منعما ، ومثله مستحق للحمد ، وهذا كالتكميل لما قبله . . » « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) * بيان لمظهر من مظاهر غناه عن الناس . أي : إن يشأ - سبحانه - يهلككم ويزيلكم من هذا الوجود ، ويأت بأقوام آخرين سواكم ، فوجودكم في هذه الحياة متوقف على مشيئته وإرادته . واسم الإشارة في قوله * ( وما ذلِكَ عَلَى اللَّه بِعَزِيزٍ ) * يعود على الإذهاب بهم ، والإتيان بغيرهم . وما ذلك الذي ذكرناه لكم من إفنائكم والإتيان بغيركم ، بعزيز ، أي : بصعب أو عسير أو ممتنع على اللَّه - تعالى - ، لأن قدرته - تعالى - لا يعجزها شيء . ثم بين - سبحانه - أن كل نفس تتحمل نتائج أعمالها وحدها فقال : * ( ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) * . وقوله : * ( تَزِرُ ) * من الوزر بمعنى الحمل . يقال : فلان وزر هذا الشيء إذا حمله . وفعله

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 606 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 22 ص 183 .